السيد محمد تقي المدرسي
12
من هدى القرآن
« إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنْ الصَّالِحِينَ ( 10 ) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ ( 11 ) » . بينات من الآيات : [ 1 ] حينما يكون الحديث عن المنافقين وفضيحتهم تتركز الآيات عن علاقة هذا الفريق بالقيادة الرسالية ، لأنها أظهر شاخص يميزهم عن غيرهم ، إذ من السهل أن يخضع الإنسان لمجموعة من الشعائر والتقاليد ، كصلاة الركوع والسجود ، وصوم الجوع والعطش ، ويتقن التستر بها على نواياه الحقيقية ، ولكن من الصعب جدا أن يخضع في سلمه وحربه ، وفي اقتصاده وسياسته ، وفي اجتماعه وأسرته ، وفي كافة جوانب حياته اليومية ، لقيادة إلهية خضوعاً دائماً وشاملا دون تكلف أو تناقض أو تمرد . إن أبرز دوافع المنافقين السعي وراء السلطة ، وأهم استراتيجية يسعون لتحقيقها هي الوصول إلى مركز القيادة في الأمة الإسلامية ، بالتأثير على قراراتها ، أو بالسيطرة التامة عليها . وهم يتحركون لتحقيقها بكل مكر وحيلة ومن وسائلهم في ذلك التظاهر بالإخلاص لها والقرب منها بالملق والتكلف ، من هنا تراهم أكثر الناس تظاهراً بالولاء للقيادة ، يخفون به ما تنطوي عليه قلوبهم من النوايا الخبيثة تجاهها . واليقظة التامة ضرورة لكيلا يصدعوا جبهة الحق في الساعات الحرجة عندما يخوضون حربا أو يعيشون حالة التحدي أو تعيش الأمة فراغا قياديا يشغلونه لمصلحتهم أو فراغا توجيهيا فيحرفون مسيرتها ، من هنا قرعت الآيات الأولى جرس الإنذار بقوة . « إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ » فهم قد يتعنون قاصدين القيادة دون أية مناسبة تستدعي تجديد الولاء والبيعة ليشهدوا للرسول بالقيادة بتكلف وملق . « قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ » وهنا ثلاثة تأكيدات لفظية : « نَشْهَدُ » و ( أن ) ، ( واللام ) ، إذ كان من الممكن أن يقولوا « إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ » فقط ، إلا إنهم أضافوا كلمة « نَشْهَدُ » بغرض التأكيد . وكل ذلك لا يضيف شيئا في الواقع ، بلى ؛ لو صدرت هذه الشهادة من مؤمن صادق فهي تضيف شيئا جديدا باعتبارها تدفعه إلى المزيد من التسليم للقيادة ، وتكشف عن ارتقائه في الإيمان درجة ، وهي حالة الشهود والحضور عند حقيقة الرسالة والتي تستدعي البوح بها وتحمل مسؤولياتها وتحدي الأعداء من أجل ترسيخها . بيد أن المنافقين كاذبون في ادعائها فلن تنفعهم شيئا . « وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ » إذن فشهادتهم لم تضف إلى الواقع شيئا كما لم تضف إلى حياتهم